ابن عبد البر
107
الدرر في اختصار المغازي والسير
بعث ( 1 ) عبد اللّه بن جحش / ولما رجع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من طلب كرز بن جابر ، وتعرف تلك الخرجة ببدر الأولى ، أقام بالمدينة بقية جمادى الآخرة ورجبا . وبعث في رجب عبد اللّه بن جحش بن رئاب ومعه ثمانية ( 2 ) رجال من المهاجرين ، وهم : أبو حذيفة بن عتبة ، وعكاشة بن محصن ، وعتبة بن غزوان ، وسهيل بن بيضاء الفهرىّ ، وسعد بن أبي وقّاص ، وعامر بن ربيعة ( 3 ) ، وواقد بن عبد اللّه التميمي ( 4 ) ، وخالد بن البكير الليثي ( 5 ) . وكتب لعبد اللّه بن جحش كتابا وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ، ثم ينظر فيه ، ولا يستكره أحدا من أصحابه ، وكان أميرهم . ففعل عبد اللّه بن جحش ما أمره به ، فلما فتح الكتاب وقرأه وجد فيه : « إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة ( 6 ) بين مكة والطائف فترصّد بها قريشا ، وتعلّم لنا من أخبارهم » ( * ) .
--> ( 1 ) انظر في هذا البعث ابن هشام 2 / 252 وابن سعد ج 2 ق 1 ص 5 والطبري 2 / 410 وابن حزم ص 104 وابن سيد الناس 1 / 227 وابن كثير 3 / 248 والنويري 17 / 6 . ( 2 ) في بعض المراجع : في اثنى عشر رجلا من المهاجرين . ( 3 ) هكذا في ابن هشام وبقية المراجع ، وفي الأصل : أبى ربيعة . ( 4 ) هكذا في ابن هشام وبقيه المراجع ، وفي الأصل : التيمي . ( 5 ) زاد ابن سعد على هؤلاء الثمانية المقداد بن عمرو . ( 6 ) نخلة : موضع على ليلة من مكة . * قلت : في هذا الحديث من الفقه جواز شهادة التقليد ، وهي مسألة خلاف بين العلماء : إذا قال له اشهد على بما فيه ولا تقرأه ، فقيل يصح ذلك ، وقيل لا . وظاهر هذا الحديث صحته . وفيه أيضا جواز تراخى القبول عن الايجاب . وفيه جواز العقد والتولية على الامر المجهول حين العقد بخلاف عقود المعاوضات كالإجارات ونحوها . ولو قال في الإجارات : استأجرتك بكذا على أن تعمل لي بمقتضى ما في هذا الكتاب ولا تقرأه الا بعد كذا لما جاز لأن الغرر لا يحتمل في المعاوضة . وفيه من السياسة كتمان ما يضر أعلانه قبل وقته . ويأخذ بهذا الأدب كثير من الملوك في كثير من الأحوال . وأخذ منه أصل حسن في صحة الإجازة والمناولة واعتماد المجاز على ذلك وأن لم يعرف ما الكتاب . قال السهيلي [ الروض الأنف 2 / 59 ] : لكن شرطه على مقتضى هذا الحديث أن يستمر الكتاب بيد المجاز وأن لا يستعيده المجيز ، وهذا غير لازم . ومتى صح للمجاز أن النسخة على ما كانت عليه وقت الإجازة والمناولة لم تبدل ولم تغير اكتفى بذلك . وقرائن الأحوال فيه محكمة ( لا ) تلزم على سياق ما التزم لسهيلى أن لا يخرج الكتاب من يد المجاز إلى أحد ابدا . وهذا العسف لا يقول به غيره .